الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
434
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
إلى ما يدرك الحال فيه بالضرورة وقد ظهر بما قررنا أن للحسن عندهم تفسيرين أحدهما أنه ما يترتب المدح أو ما يساوقه والثاني أنه لا يترتب الذم أو ما يساوقه عليه فعلى الأول ينحصر الحسن في الواجب والمندوب وعلى الثاني يشمل ما عدا الحرام من الأحكام وإلى الأول ينظر ما حكي عن بعض المعتزلة من تحديد الحسن على طريقتهم بأنه ما اشتمل على صفة توجب المدح والقبيح ما اشتمل على صفة توجب الذم وما ذكره بعض الأشاعرة في حده من أنه ما أمر الشارع بالثناء على فاعله أو الذم له وإلى الثاني ينظر الحد الآخر للمعتزلة وهو الذي لا يكون على صفة تؤثر في استحقاق الذم والقبيح هو الذي يكون على صفة مؤثر فيه وكذا الحال في الحد المعروف عندهم وهو أن الحسن ما للقادر عليه والعالم بحاله أن يفعله وأن القبيح ما ليس كذلك ونحوه الحد المعروف من الأشاعرة من أن القبيح ما نهي عنه شرعا والحسن ما يكون متعلقا للنهي وكذا الحد الآخر المذكور في كلام بعضهم من أن الحسن ما لا حرج فيه والقبيح ما فيه الحرج والظاهر أنهما مبنيان مختلفان للحسن يندرج أحدهما في الآخر فليس هناك خلاف في التفسير وإنما هناك اختلاف بين التفسيرين وقد عرفت أن أكثر تحديداتهم يوافق الأخير فكأنه الأعرف في الاستعمال وهو الأنسب بالمقام ليعم الكلام سائر الأحكام ثم إن ما ذكرنا من تعاريف الحسن والقبح حدود ستة ثلاثة منها للمعتزلة وثلاثة للأشاعرة وقد أورد على الأول بأنه لا يشتمل ما كان حسنه أو قبحه ثابتا لذاته مع قطع النظر عن الصفات الخارجة عنه ويرد على الحد الثاني للمعتزلة بالنسبة إلى حد القبيح ويرد عليه في حد الحسن شموله للقبيح الذاتي إذ ليس فيه صفة مؤثرة في استحقاق الذم والجواب أن ما ثبت لذات الفعل يمكن إسناده إلى الصفة الذاتية أيضا أعني المنتزعة من نفس الذات فاندفع الإيراد عن المذكورة وقد يجاب عنه أيضا بأن الاختلاف الحاصل في حدودهم مبني على ما اختلفوا من كون الحسن والقبح اللاحقين للأفعال حاصلا لهما لذواتهما أو الموجودة والاعتبارات على ما سيجيء الكلام فيه فالحدان الأولان مبنيان على الثاني والحد الثالث على الأول وأنت خبير بأن الثالث للتحديد صحة الحد على جميع ليصح تعلق الخطاب المحدود وما ذكر من الجواب اعترافا بفساد الحد على بعض تلك الأقوال على ما هو التحقيق هناك من التفصيل أن الظاهر ثبوت الحسن والقبح لبعض الأفعال بالنظر إلى ذاته كما سيجيء الإشارة إليه إن شاء الله على أن الحد الثالث يصح على كل من الأقوال المذكورة في تلك المسألة فلا اختصاص له بالقول الأول على ما يظهر مما ذكر وقد يناقش في الحدود المحكية عن الأشاعرة بأن محل النزاع في الحسن والقبح عندهم كما نصوا عليه هو كون الفعل بحيث يترتب المدح أو الذم عليه فهم لما نفوا حكم العقل جعلوا الحسن عبارة عن كون الفعل متعلق مدح الشارع أو حكمه بنفي الذم عليه على اختلاف التفسيرين والقبح كونه متعلقا لذمة من غير حصول استحقاق هناك في حكم العقل قبل ورود الشرع وبعده فلا فرق عندهم في ذلك بالنظر إلى العقل بين ما ورد الأمر به في الشريعة والنهي عنه في استحقاق المدح أو الذم إلا أنه ورد مدح المطيعين فصارت الطاعة حسنة وذم العاصين فصارت المعصية قبيحة ولو انعكس الأمر كان بالعكس فظهر بذلك أنه لا مدخل في النهي وعدمه في التحسين والتقبيح وكذا غيره مما ورد في الحدين المذكورين وقد يصحح الحدود المذكورة بالملازمة الاتفاقية بين الأمور المذكورة وتعلق مدح الشرع أو ذمه فلا مانع من أخذ أي منها في الحد وهو كما ترى مضافا إلى أنه قد يورد على الحد الثاني أي ما يتعلق به النهي يعم الحسن وغيره مما لم يتعلق به حكم الشرع كأفعال المجانين والأطفال ونحوهما وكذا حال الأشياء قبل تعلق حكم الشرع بها على ما ذهبوا إليه من خلوها إذن من الحكم فلا يكون عد الحسن مانعا وقد يورد ذلك على الثالث أيضا إذ لا حرج في شيء من الأفعال المذكورة وكذا في الأفعال قبل ورود الشرع وقد يذب عنه بأن الظاهر تقابل الحرج وعدم تقابل العدم والملكة فلا يندرج فيه لا يكون قابلا لورود النهي وفيه أولا أنه يلزم عدم صحة اتصاف شيء من أفعاله تعالى بالحسن مع توصيفهم له بذلك وثانيا أن الأفعال قبل ورود الشرع قابلة للنهي وكذا أفعال الأطفال وغيرهم لجواز تعلق التكليف بهم على مذهبهم ومع الغض عن ذلك نقول إنهم يجوزون خلو بعض الأفعال عن الحكم وحينئذ يندرج ذلك في الحد ثم إن الظاهر من الحدود المذكورة للحسن على التفسير الأخير لشموله الأربعة من ذكر الأحكام فيختص القبيح بالحرام وعن الحنجي الحكم بإدراج المكروه في القبيح فيختص الحسن بثلاثة من الأحكام ذكر ذلك في بيان حد المعروف من المعتزلة وقد أشرنا إليه وفيه أن الظاهر من الحد المذكور شمول الحسن للمكروه إلا أن يقال إن الظاهر منه ما يكون له فعله من دون غضاضة عليه وهو في محل المنع ومن شارح المنهاج الحكم بإدراج المكروه في القبيح في الحد المنسوب إلى الأشاعرة وكأنه لاحظ كون المكروه مما نهي عنه عندهم ومعه لا يتم المذكور نعم إنما يتم ذلك على القول بكون النهي حقيقة في الأعم فظاهر الشهيد الثاني في التمهيد عند بيان الحد المذكور إدراج المكروه في الحسن وهو أوفق بظاهر الحد هذا وقد يورد في المقام أن الظاهر من الحدود المذكورة اختلاف معنى الحسن والقبح عند الفريقين من غير اشتراك بينهما إلا في التسمية إذ المعتزلة يقولون بكون الحسن صفة قائمة بالفعل من شأنها استحقاق المدح عليه عند العقل أو عدم ترتب الذم عليه وكون القبح صفة قائمة به من شأنها استحقاق الذم عليها والأشاعرة يقولون الحسن عبارة عن كون الفعل مما مدح الشارح فاعله أو حكم بعدم ذمه والقبح كونه مما ذم عليه من غير حصول استحقاق المدح أو الذم في الصورتين ولا حصول صفة باعثة عليه بعد حكم الشرع أو قبله فلا جامع ظاهرا بين المعنيين ليكون ذلك المعنى متفقا عليه عند الفريقين ويكون الحسن والقبح عبارة عنه ليقع الخلاف في كونه عقليا أو شرعيا بل الحسن بالمعنى الذي عندهم في معنى الحسن والقبح دون وضعها كما هو ظاهر عنوان البحث ويمكن الجواب عنه بأن الحسن بالمعنى الذي وقع فيه الخلاف كون الفعل بحيث يترتب الذم عليه ولا خلاف بين الفريقين في تفسير الحسن والقبح بالمعنى المذكور وإنما الكلام في الحاكم بالذم فالعدلية على أن المدح والذم يترتب بحكم العقل لصفة قائمة به وكذا الذم والأشاعرة على أنه إنما يترتب عليه بمجرد حكم الشارع من غير أن يكون لحكم العقل